نبذة تاريخية عن النحل في فلسطين

يعتبر الوطن العربي وفلسطين مهد حضارات العالم وتحتل مركز وسطي بالكرة الأرضية بل مركز العالم القديم… ففيها أقدم مدن حضرية في العالم (كأريحا) وظهرت فيها وحولها جميع الديانات السماوية والتي انتشرت منها إلى جميع أنحاء المعمورة.

ويرتبط بذلك ظهور الحياة المستقرة ويتضمن ذلك نحل العسل المستأنس (الذي يربيه الإنسان).

وعلى الرغم من صعوبة تتبع تاريخ وتطور النحل في العالم بصورة مؤكدة وذلك بسبب عدم اكتمال الدراسات والشواهد التاريخية وفقد العديد من الحلقات في التسلسل التاريخي لتربية النحل.

ولكن ورغم تلك الصعوبات فقد أجمع العلماء على أن الموطن الأصلي لنحل العسل الاجتماعي Apis هي منطقة وسط قارة آسيا… حيث نشأ في منطقة غرب جبال الهملايا (ولذا سمي بالنحل الغربي) ومنها انتشر إلى جميع أنحاء العالم، وهناك مغالطة كبيرة حيث يدعي البعض بأن النحل الغربي ينسب إلى الغرب (أوروبا وأمريكا) وهذا غير صحيح.

وكما يعلم الكثيرون فإن العلماء قاموا بتقسيم نحل العسل Apis لأربعة أنواع ثلاثة منها لازالت تعيش معيشة برية في آسيا حتى الآن ولم تستأنس والنوع الرابع فقط هو الذي استطاع الإنسان تربيته بطريقة مستأنسة وانتشر في جميع أنحاء العالم وهو النحل الغربي ويمكن توضيح تلك الأنواع كالتالي وهي:

1. النحل الكبير (العملاق) Apis Dorsata:

وهذا النحل كبير الحجم ويسمى النحل العملاق ويبني قرصاً واحداً من العسل ويعيش معيشة برية في مناطق جنوب شرق آسيا.

2. النحل الصغير (القزم) Apis Florea:

ويعيش معيشة برية أيضاً وحجمه صغير ويسمى النحل القزم ويبني قرصاً صغيراً واحداً من الشمع ولا زال يعيش أيضاً في منطقة جنوب شرق آسيا.

3. النحل الهندي Apis Cerana:

وهو صغير الحجم (أكبر نوعاً ما من السابق) ويعيش في تجاويف الجبال والأشجار في منطقة جبال الهملايا والصين واليابان والمناطق المجاورة وهناك محاولات في السنوات الأخيرة لاستئناسه.

4. النحل الغربي Apis mellifera:

وهذا النحل سمي بالغربي لأن أًصله من المنطقة الغربية لجبال الهملايا (أي آسيا الغربية وبضمنها فلسطين). وهذا النحل هو الوحيد الذي تم استئناسه ومن ثم انتقاله لباقي أنحاء آسيا وأفريقيا وأوروبا وذلك منذ حوالي 100 ألف سنة وهذا هو النوع الوحيد المنتشر في العالم اليوم وبضمنه معظم السلالات المعروفة على وجه الأرض.

وقد انتقل هذا النوع إلى أمريكا واستراليا ونيوزيلاندا خلال القرن السابع عشر فقط.

ومن خلال ما تقدم يمكننا أن نتجرأ على القول بأن أول استئناس للنحل كان في منطقتنا ومن ثم انتشر إلى جميع أنحاء المعمورة.

 

النحل وفلسطين:

إن من أهم ما يميز فلسطين هو تميز مناخها… والذي لا يماثله أن مكان في هذا الكون… ويرتبط بذلك ما يقره علماء البيئة في هذا المجال… فالتنوع الحيوي في فلسطين مميز جداً على الرغم من مساحتها الصغيرة جداً بالمقارنة مع الدول الأخرى.

ويمكن توضيح ذلك فيما يلي:

تقع فلسطين بين خطي عرض 30َ 29ْ و 15َ 33ْ أي في منطقة المناخ المعتدل (مناخ البحر الأبيض المتوسط).

ليس هذا فحسب ولكن تتميز تلك البقعة الصغيرة من العالم بوجود أنواع مختلفة من التضاريس والمناخ  أهمها:

1. الجبال الشمالية: والتي تسقط عليها الثلوج في الشتاء والتي يتزلج عليها المتزلجون كما في الدول الأوروبية الباردة ومثال ذلك منطقة جبل الشيخ.

2. الصحاري: ومناخها جاف حار ولا تسقط بها الأمطار إلا أحياناً وبنسب لا تذكر ومثال ذلك صحراء النقب.

3. السهول: والتي تتميز بملاءمتها للزراعة طوال السنة واعتدال مناخها ومنها السهل الساحلي وسهل مرج بن عامر.

4. السواحل: حيث لفلسطين سواحل على بحرين من أهم بحار العالم وهما المتوسط والأحمر كما أنها تقع على البحر الميت.

5. الأغوار: و بها أخفض نقطة على سطح الأرض وذلك في منطقة أريحا حيث تنخفض ما يقرب من نصف كيلومتر عن سطح البحر… وهذه الحالة من الانخفاض لا توجد إلا في هذا المكان من العالم كله. 

إن هذه التضاريس لا تتوفر مجتمعة في أي مكان في العالم سوى في فلسطين والمنطقة العربية حولها “مصر والشام”.

وبالتالي فإن تنوع هذا المناخ كان الأنسب لكافة الكائنات الحية كي تعيش فيه … سواء كانت تلك الكائنات تعيش في المنطقة الباردة أو الحارة … الرطبة أو الجافة … وبضمنها نحل العسل.

وعليه فإن سلالة النحل في فلسطين والشام قد تميزت عن باقي سلالات العالم لوجود صنفين بها قد يمثلان أساس سلالات النحل في العالم لأنه كما يعرف الجميع فإن ألوان سلالات النحل العالمية محصورة بين النحل الأصفر الفاتح والأسمر الغامق. (مع علمنا بأن اللون ليس وحده يحدد الصفات ولكنه يعتبر عامل أساسي في تحديد سلالات النحل).

وهذا ما يمثله صنفا النحل الموجودان في بلادنا وأولهما الحارثي (أصفر ليموني) ويسمى في الشام السيافي ثانيهما هوالقمري (يميل إلى السمرة) ويسمى في الشام بالغنامي.

ويمكن التدليل على ذلك من خلال الشواهد أو على الأقل بعض المؤشرات على ذلك…. ففلسطين والشام محصورتين بين بلاد القوقاز في الشمال (غرب الهملايا) ومصر في الجنوب.

ومن المعلوم أن النحل القوقازي أسمر اللون والنحل المصري أصفر اللون .. كما النحل الفلسطيني الشامي فإنه يجتمع فيه اللونين : اللون الأسمر (الغنامي – القمري) واللون الأصفر (السيافي والحارثي).

 وبنظرة بسيطة نجد أن النحل القوقازي ( ذو اللون الأسود ) يمثله عندنا في فلسطين والشام (النحل القمري أو الغنامي والذي يميل للون الأسمر) أما النحل المصري (ذو اللون الأصفر الليموني) فيمثله في فلسطين (السياني والحارثي والذي يميل للون الأصفر).

ولذا فالنحل في فلسطين والشام محصور بين اللونين الأسمر والأصفر.

ومما يؤكد ذلك ما صدر عن مركز البحوث العلمية الفرنسية وذلك من خلال الخبر التالي:

سيرياكا هي أصل سلالات النحل في العالم

دمشق – صحيفة البعث:

أكد المسئولون في مركز البحوث العلمية الفرنسية على النظرية التي تقول إن أصل سلالات النحل في العالم هي السلالة السورية “سيرياكا” وجاء هذا التأكيد إثر مشاركة السيد محمد سعيد العطار رئيس لجنة النحالين السوريين في غرفة زراعة دمشق في المؤتمر الجامعي للنحالين الفرنسيين السابع الذي أقيم بمدينة “بيريجو” الفرنسية.

وفي هذا الإطار تابع المركز الدراسة الجينية للسلالة السورية لنحل العسل وإجراء الدراسة المقارنة مع السلالات الأخرى، وركز المؤتمر على الدراسات التي تجرى على المبيدات الزراعية الحديثة وتأثيراتها السمي القاتل للنحل وانتقالها ضمن بذور النباتات إلى الإنسان وآثارها التراكمية حيث عرض فيلم وثائقي عن هذه المبيدات، كذلك تم التركيز على دور منتجات خلية نحل العسل في الحفاظ على صحة الإنسان ودور العرب في تطوير ما نقوله عن الحضارات السابقة ومن ثم نقل هذه الدراسات التي لا تزال الأساس في العلاج بمنتجات خلية النحل إلى أوروبا.

الكاتب ابراهيم سمور

ابراهيم سمور

موظف - مواليد سنة 1980، حاصل على بكالوريوس أنظمة معلومات حاسوبية

التعليقات مغلقة